الدولة الاسلامية بين المثال والواقع.
بقلم : الشيخ رشيد الغنوش
بواسطة : سهيل ابوعياد
ميّز المسلمون في النظر إلى تاريخهم السابق للاستعمار الغربي بين طورين يعبران عن نمطين من الحكم على طرفي نقيض. يغطي النمط الأول المرحلة النموذجية مرحلة حكم النبوة والخلافة الراشدة والتي استمرت حوالي أربعين سنة هي طيلة حكم الخلفاء الاربعة الذين خلفوا حكم النبوة وقد يلحق بهم على رأس المائة الهجرية الاولى خليفة خامس هو عمر ابن عبد العزيز الذي تسلم الحكم وراثة عن الاسرة الاموية التي انتزعت الحكم بالقوة والغلبة لتنهي المرحلة النموذجية الراشدة وتحل نظام الملك العضوض الوراثي محلها، مستعيضة عن الأمة والشورى والعدل مصدرا لشرعية الحكم بالقوة والغلبة والعصبية مع بيعة شكلية واعتراف بسلطان الشريعة على المجتمع دون الدولة. ولقد حاول ابن عبد العزيز خلال سنتي حكمه أن يعيد الحكم الاسلامي إلى أصله فأخذ يعيد الاموال المنهوبة من طرف الاسرة الاموية إلى بيت المال في اتجاه رد الامر كله إلى الامة لولا أن عاجلوه بالكيد فمات مسموما. ولذلك ألحقه مؤرخوا الاسلام بحكم الراشدين، تمييزا له عن حكم الوراثة والظلم الذي ساد تاريخ الاسلام باعتباره جزء من تاريخ العالم الذي سادته الروح الامبراطورية والقبلية والثيوقراطية وحكم الاقليات المتنفذة.
إنه ما إن انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حتى رأينا صورة للإرث النبوي الثقافي والتربوي تفعل فعلها في أصحابه، فيستمر ذلك النموذج الراشدي النيّر، لدرجة أننا بعد أربعة عشر قرناً لا زلنا نتحدث عن تلك المرحلة، لا كتاريخ فقط وإنما كنموذج نريد أن نستلهمه في نهوضنا المجدد.
لقد فهم المسلمون الأوائل أنهم ورثوا عن النبي صلى الله عليه وسلم إرثاً عظيماً، ليس مالاً، وإنما علماً وأنموذجاً للدولة والحضارة، وأمانة، فاعتقدوا أن واجبهم تبليغها إلى العالم في شكل عملي كمفاهيم ومناهج ووثائق مرجعية على رأسها القرآن الكريم.
ولقد تجلى ذلك الإرث في اللحظة التي أعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم التي مثلت صدمة هائلة للمجتمع المسلم، ولكنها لم تفقده صوابه، فلم يحوّل الأصحاب نبيهم- مع عظيم حبهم له وإعجابهم به- إلى إله، أو ابن إله، أو نصف إله، أو شريك مع الله، أو إلى صنف خاص من الناس لا تسري عليه قوانين الحياة ومنها "كل من عليها فان".
كانت الصدمة هائلة لدرجة أن عمر توعد بقطع رأس من يزعم أن محمداً قد مات، حتى إذا جاء الصديق أقرب الأصحاب وأحبهم إلى النبي ورأى ذلك الوضع غير الطبيعي وهذا الخلط، كشف عن وجه النبي المسجى وقبله بين عينه وسلم عليه واستيقن من وفاته، رجع إلى الناس فوجد عمرا يصول بين الناس بسيفه متوعداً بالقتل كل من يدعي وفاة النبي، فجذبه بقوة بعيداً وقال كلمته الشهيرة « يا أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».
أهمية ذلك في الفكر السياسي أن الفكر الذي بثه النبي صلى الله عليه وسلم حرر الناس حتى من القائد نفسه، أي أن الحركة التحررية التي قادها النبي حمت الناس من أن ينحرفوا بدعوته إلى غير ما جعلت له. حافظت كلمة أبي بكر على المشروعية العليا للقانون والدستور، فالله وحده هو الذي لا يموت، فكلامه المرجع الأعلى للحق. وبذلك انفصلت فكرة الدولة عن مؤسسها، وتحرر المشروع من كل صور التشخيص والحلول التي طالما التاثت قادة الدعوات الدينية، من أنبياء وأولياء، بأثر محبة أتباعهم لهم لدرجة عبادتهم من دون الله أو معه سبحانه. لقد ميزت كلمة الصدّيق بصورة قطعية بين النبي كمبلغ عن الله، وهذه الصفة دائمة من خلال الوحي كتابا وسنة، وبين النبي كقائد، هو معرض كسائر القادة لحوادث الزمان. فصفته الأولى دائمة وصفته الثانية زمنية.
لم ينحرف الفكر السياسي الإسلامي بموت الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله سبحانه أراد لهذا الدين الخلود واستشرف به مرحلة الثورة العلمية والنضج العقلي وتقرير الشعوب لمصائرها "الديمقراطية". وفي علم التربية قد تعلمنا أن "الأستاذ الناجح هو الذي يقتل نفسه"، أي هو الذي يوصل تلاميذه إلى مرحلة الاستغناء عنه، فيصبح التلاميذ أساتذة، وأما الأستاذ الفاشل فهو الذي يبقي التلاميذ عالة عليه حتى إذا اضطر إلى مغادرة الفصل لحظة عمت الفوضى.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد حقق غاية النجاح، فخروجه من الفصل لم يدخله في حالة من الفوضى أو العجز، بل تحول كل التلاميذ أساتذة عباقرة، نقلهم من مرحلة البداوة البدائية والوضع الدولي الهامشي المتشرذم إلى مستوى القيادة الحضارية العالمية، فسبقوا فيما سبقوا فيه إلى فكرة التداول السلمي على السلطة عبر البيعة، أي التفويض الشعبي، مؤسسين نظاماً للحكم على أساس الشورى والشرعية الشعبية بعيداً عن أية شبهة من وراثة، وكان ذلك غريباً في تاريخ العالم، وظل كذلك حتى العصور الحديثة.
أما أنظمة العرب المعاصرة، فهي شذوذ ونشاز عن تجربة الإسلام الأولى في الحكم وعن مزاج العصر. لقد جعل الاستبداد والانفراد بالسلطة شعوبنا كسيحة، لدرجة أن الخيار في أكثر من بلد عربي هو بين الاستبداد أو الحرب الأهلية، أو بين الاستبداد وبين عودة الاحتلال إذ يكفي أن يهتز نظام حكم في إحدى دولنا حتى تتمزق البلاد وتدخل في حروب أهلية. وانظروا ماذا حدث في الصومال بعد مغادرة "الأستاذ" سياد بري قارنوا بين ذلك وبين ما حصل في دولة المدينة بعد مغادرة النبي القائد صلى الله عليه وسلم، حيث لم تقع فتنة داخلية، وسرعان ما اجتمع الصحابة.
برلمان السقيفة
على إثر ثبوت وفاة النبي عليه السلام تنادى عدد من زعماء الانصار إلى اللقاء في سقيفة بني ساعدة للتداول في أمر خلافة النبي في مقامه السياسي والتحق بهم عدد من زعماء المهاجرين منهم أبو بكر وعمر أبو عبيدة.. كان اجتماعا تاريحيا حاسما لعله أهم لقاء بعد لقاء وبيعة العقبة الثانية الذي أسس لدولة النبوة بينما أسس هذا اللقاء لدولة خلافة النبوة في مهامها السياسية والحضارية، في فصل واضح بين مقام النبوة المعصوم الذي ختم نهائيا بموت النبي وبين مهامه السياسية والحضارية المستمرة …لم يزعم أحد خلال ذلك اللقاء التاريخي أنه يملك حجة دينية تحجب منصب الخلافة عن غيره وتجعله قصرا عليه، فلم يستظهر أحد بوصية من النبي أو بآي من كتاب الله تشهد لحقه بما جعل الجميع يقفون على مستوى واحد من الحق والشرعية، فما بقيت من لغة تحسم الأمر غير لغة السياسة وتلك هي التي سادت الاجتماع وحسم بها الأمر. والدليل على ذلك أنهم اجتمعوا يتشاورون فتوزعت الآراء حول من يكون الخليفة، أمن المهاجرين أم من الأنصار؟ وهل يكون واحداً أم متعدداً؟
لم يطرح أحد سؤالاً حول نظام الدولة، هل ينبغي أن يستمر أم ينتهي بانتهاء النبي صلى الله عليه وسلم، فتلك كانت مقالة أعراب لم يتأنسوا بعد بما يكفي فعاودهم الحنين إلى تشرذم الجاهلية وفوضاها.
لقد تمحور الحديث حول مواصفات القيادة أيكون من الأنصار أم من المهاجرين. وحسم بعد تداول طويل بحجة ذات طبيعة اجتماعية سياسية وليس بحجة دينية. إن القيادة ينبغي أن تكون للفريق الذي يملك -بلغة ابن خلدون - عصبية أقوى حتى تكون طاعته من طرف الأغلبية أيسر وحتى تسلّم له أغلبية الناس بالقيادة. فالقيادة ينبغي أن تكون في الجماعة التي تملك مؤهلات تجعل أكبر قدر من الناس يطيعها. ولكن مع الحذر من فكرة الوراثة الدينية والقبلية التي كانت سائدة في موضوع القيادة، فلم يقع الاختيار على الأقرب نسبا إلى النبي عليه السلام، وإنما الأقرب إليه فكرة وروحا وصحبة..كما لم يقع الاختيار على المنتسب للفخذ الأقوى في قريش، وإنما للأضعف جمعا بين مقتضيات الدين الجديد والعرف السائد، وما تحتاجه طبيعة الحكم الاستناد إلى الأغلبية ليستقر ويحكم بأدنى مؤونة.
لقد جاءت كلمة أبي بكر وحجته حاسمة يعسر ردها، إذ قال : «إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من يقريش»، أما حديث «الإمارة في قريش»، وعلى فرض صحته، فإن أحداً من أهل السقيفة لم يستشهد به كحديث وإنما ورد باعتباره قيمة موضوعية لقيام حكم قوي مستقر مقبول في تلك البيئة. أي إن قريش لما لها من مكانة في حياة العرب في الجاهلية والإسلام هي الطرف الذي يمكن أن يسلّم له العرب بالقيادة. فكان هذا هو الرأي الحامل لأقوى حجة طرحت في مداولات أخطر مجلس للشورى انعقد في مفتتح التاريخ السياسي الإسلامي، كما استخدمت حجة السبق في الاسلام وفي البلاء وهو الأحرى أن يكون أكثر قبولا بين أتباعه. ولم يكن للقرشية من قيمة غير القيمة الاجتماعية كما أوضح العلامة ابن خلدون.
وأعجب ما في الأمر أن تاريخا لأمة بيدأ بحكم نبوي ويستأنف بشورى على هذا المستوى ينتهي إلى وضع مهين من التوارث وحكم الغلبة وشرعية الانقلاب وما يشبهها بل أشنع منها من حكم الانتخابات المغشوشة التي أضافت إلى شنيعة الاستبداد خطيئة الغش والكذب.
كلمة عن حركة الردة:
أول امتحان واجهه الحكم الاسلامي الراشدي صبيحة انطلاقته هو فشو حركة الردة بين القبائل. كان المرتدون خليطا من القبائل والمنطلقات. لا يجمعهم غير التمرد المسلح على سلطة المدينة بحسبانه

























لم تعد عبارة " الإرهابي في نظر البعض , مناضل من أجل الحرية في نظر البعض الآخر" مجرد كليشيه*, بل أضحت من أصعب العوائق التي تقف
بقـــلــم: فيصل القاسم
