أمريكا صارت معسكرا ضخما.. لكنها ستفشل في العراق فشلا ذريعا.

كتبهاسهيل ابوعياد ، في 1 أبريل 2007 الساعة: 18:30 م

 أمريكا صارت معسكرا ضخما.. لكنها ستفشل في العراق فشلا ذريعا

  الدكتور مهدي المنجرة

أجرى الحوار نور الدين العويديدي.

الحوار مع الدكتور مهدي المنجرة ممتع وشيق. وللدكتور المنجرة، قناع  راسخة بأن البشرية اليوم تواجه "ميغا" إمبريالية أمريكية، يكون فيها العالم متحكما فيه من مركز واحد.. هو واشنطن، عاصمة المعسكر الأمريكي الضخم، حيث الحضارة تعسكرت، والعلم تعسكر، والاقتصاد صار آلة ضخمة لصنع الصلاح، واستخدامه، وحيث صار 70 إلى 80 في المائة من البحث العلمي الأمريكي موجها لصناعة السلاح، وتطوير طرق وآليات السيطرة، لا لتحسين ظروف الحياة الإنسانية، كما يكشف الدكتور المنجرة في هذا الحوار.

ورغم "الميغا" إمبريالية، والسيطرة الخارجية شبه المطلقة على منطقتنا، حيث الحكام أسلموا مستقبل الشعوب إلى البنك الدولي وصندوق النقد.. وحيث كل شيء يسطر في ما وراء البحار، فإن عالم المستقبليات المغربي الشهير الدكتور مهدي المنجرة، مشبع بقناعة راسخة بأن مرحلة "الذل قراطية" العربية قد قربت نهايتها، وأن الشعوب ستنتفض انتفاضتها العظيمة، لتطوي صفحة الضعف والهوان هذه، مهما اشتدت سطوة الحكومات، وظهيرها الخارجي.

وحين سئل الدكتور المنجرة هل يتوقع أن تنجح المقاومة العراقية في طرد الأمريكان من العراق صاغرين، قال أنا لا أتوقع شيئا أعلمه يقينا. وأضاف قائلا "الشعب العراقي مثل أي شعب له تاريخ نضالي.. هذا التاريخ النضالي سيستعاد تدريجيا.. البعض يتصور أن العراق انتهى.. هذا خطأ شنيع.. انهزم العراق عسكريا، ولكنه أخذ درسا لم يأخذه أي شعب عربي آخر. إذن لما ينطلق هذا الشعب في المقاومة، ستكون مقاومته أقوى من أي مقاومة أخرى"..

وقال "الناس الذين يعيشون الصدمة، ثم يستخلصون منها فوائدها ودروسها، ويستخلصون ما هو ممكن عمله للمستقبل، يأتون بأشياء عظيمة، لا يمكن لأي قوة عسكرية أن تقهرها.. هذا يحتاج شيئا من الوقت، وتدريجيا المعنويات الأمريكية تتحطم، مهما جلبوا من جنود، ومهما وظفوا من أقمار صناعية".

وشدد الدكتور المنجرة عن أن أمريكا فشلت وستفشل في العراق، لأن هدفها ليس احتلال العراق، وإنما تغيير ثقافة شعبه، ومحو خصوصيته، مؤكدا أن ذلك لن يتحقق، وأن العراق سينهض، وسيكون أقوى مما كان عليه، لأن لديه علماء لا يستهان بهم، ولأن وراء شعبه حضارة عمرها آلاف السنين.

واتهم الدكتور المنجرة واشنطن بشن حرب صليبية على كل ما هو غير يهودي - مسيحي في العالم، وخاصة من العرب والمسلمين. واتهم مفكرين غربيين (هنتنغتون) بالسعي لتبرير حروب الهيمنة على العالم عامة وعلى العرب والمسلمين خاصة، مؤكدا أن العالم يحتاج إلى الحوار لا إلى الحرب، ومذكرا بأنه أقام جائزة دولية للتشجيع على الحوار شمال جنوب.

كما اتهم الدكتور المنجرة، وهو نائب سابق لمدير منظمة "اليونسكو" هذه المنظمة بالتواطئ مع الإدارة الأمريكية في عملية تخريب ونهب حضارة العراق وتاريخه، الذي أكد أنه تاريخ لكل الإنسانية، وليس خاص بحضارة معينة أو دين محدد. وقال إنه يعرف جيدا اليونسكو، باعتباره كان نائب لمديرها العام، محملا إياها مسؤولية عدم إنقاذ حضارة في خطر، ومتهما دولة الكويت بتمويل لصوص ومرتزقة لنهب الآثار العراقية وتخريبها، ومشددا على أن الجيش الأمريكي مسؤول مسؤولية مباشرة عن كل ما لحق حضارة العراق من خراب وتدمير.. وفي ما يلي نص الحوار مع عالم المستقبليات المغربي البارز الدكتور مهدي المنجرة:

* كيف تنظرون لما جرى ويجري في العراق؟

- المسؤولين والحكام العرب، والصحافة العربية، قتلت العراق، قبل بدء الهجوم الأمريكي عليه، ودفنوا العراق قبل أن يموت، وقبل أن تدفنه القوات الأمريكية.. هذا موقفي من البداية.. التغييرات كانت متوقعة، ولكنها برهنت على عدم الاهتمام العربي الرسمي بالشؤون العربية، وبشؤون المنطقة، وبرهنت على أن الكلام الذي قلته من زمان.. منذ أكثر من 20، عندما قلت إننا دخلنا في مرحلة استعمار حقيقي، لأن الاستعمار الحقيقي ليس هو ما كان في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين.. كان صحيحا.

الاستعمار الذي نعيشه في بداية القرن الحادي والعشرين، هو استعمار قوة عملاقة، هي الولايات المتحدة، واستعمارها نوع جديد من الاستعمار، غير مسبوق.. في استجواب قبل شهور تحدثت عن الميغا إمبريالية.. الفرق بين الإمبريالية العادية والميغا إمبريالية.. ميغا يعني إمبريالية مضاعفة ألف مرة.

ما كان حاصلا من قبل هو منافسة في الميدان الإمبريالي.. كانت هناك فرنسا وبريطانيا، وكانت إيطاليا وكانت ألمانيا، وكانت البرتغال وكانت إسبانيا.. كان هناك لعب متقارب بينهم، وكان هناك تفاوض، وكانوا يقسمون العالم بينهم، لكن الآن لا يوجد هناك نقاش.. هناك طريق واحد، وموقف واحد، واستعمار مسير من مكان واحد، والبقية يسمع ويطيع.

طبعا الدول العربية تابعة للإدارة الأمريكية، لدرجة لا يمكنني أن أعرف على وجه الدقة، هل كانت الحرب حرب أمريكية ضد العراق؟ أم حربا من الدول العربية ضد دولة أخرى شقيقة لهم هي العراق؟.. وطبعا أنا هنا أتكلم عن الشعب العراقي، ولا أتكلم عن حكامه السابقين.

الشعوب والميغا إمبريالية

* هذا بالنسبة لموقف الحكومات العربية.. لكن كيف تقوم موقف الشعوب العربية؟ وهل كان في مستوى الحدث؟

-  كلنا كنا نظن أن الشعوب العربية ستتحرك.. وأنا نفسي كتبت كتابا قبل ثلاث سنوات، اسمه "انتفاضات"، وقلت إن الفجوة بين الحكام العرب وشعوبهم بلغت درجة لا يمكن أن تدوم وتستمر.. ولازلت أعتقد ذلك، ولكن الشعوب نفسها مضغوط عليها، بشكل غير معتاد.. الشعوب العربية تعيش في فقر مدقع، وتعيش في الجهل والأمية، وتعاني من غياب العدالة الاجتماعية.. الفجوة بين الأغنياء والفقراء تزداد بسرعة كبيرة، وحتى إذا تحرك أي شعب عربي، نجد أن السلطة المحلية، والجيش المحلي، والأمن المحلي، جاهزين للقمع والقتل..

هذا كان موجودا من قبل.. أما ما أضيف الآن، مع الميغا إمبريالية، فهذه الحكومات لها مساعدات كبيرة فنية وتقنية، تأتيها من الولايات المتحدة الأمريكية ومن آخرين، ولها مساعدات من المخابرات، وكلها موجهة لقمع الشعوب..

* في ظل هذا الوضع كيف سيكون المستقبل إذن؟ هل سيستمر خضوع شعوبنا لهذه الميغا إمبريالية؟ وإلى متى؟

- يا سيدي مفهوم أن الواقع لن يبقى كما هو.. نحن في الدراسات المستقبلية نعرف جيدا أن الواقع لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه اليوم.. نحن في هذه الدراسات لا نأتي بأشياء من السماء أو من عندنا.. نحن نرى أن كل شيء مرتبط بالثمن الاجتماعي.. التغيير آت لا شك فيه، والانتفاضات آتية لا شك فيها أيضا.. ولكن هل ستكون بعنف كبير، وبخسائر كبيرة، بآلاف الأرواح؟ أم إنها ستأتي بلطف؟

إذا الحكام تفهموا فهذا هو المطلوب.. أما التغيير فإن الشعوب لا يمكن أن تعيش من دونه، ولا يتخيل أحد أبدا أنه لن يأتي.. هذا هو السؤال.. السؤال أن السياسيين عامة، والسياسيين العرب خاصة، تفكيرهم مبني على شيء واحد، هو الغد القريب.. في الساعات الأربعة والعشرين المقبلة فقط، هل سنبقى في الحكم أم لا؟

إذن تفكيرهم على الآماد البعيدة، وحتى المتوسطة، هو تقريبا غير موجود.. التفكير في القضايا البعيدة يصنع في خارج بلداننا، وحكامنا لا يفكرون في المستقبل، فمستقبلنا مرهون.. إنه ليس بين أيدينا.. حكامنا أسلموا أمرهم إلى البنك العالمي، يقرر ما هو مستقبلنا.. صندوق النقد الدولي يقرر ما هو مستقبلنا.. سفارات الدول الكبرى.. المساعدة الفنية.. الخ، كلها تفكر بدلا منا لنا.. كلها ترسم مستقبلنا بالطريقة التي تريد.. ولكن لا يمكن أن تبقى الأشياء كما هي.. ستتغير الأمور حتما، وكلما تأخر التغيير، كلما ارتفع ثمنه..

* هل تتوقعون أمدا زمنيا تقريبيا لهذا التغيير؟

- إذا أتى التغيير الجذري، فلا أرى أن أي نظام من الأنظمة العربية الموجودة سيعيش لأكثر من خمس سنوات.. أنا كتبت كتابا عن "الذلقراطية".. الذل.. أنا بصدد تجهيز كتاب بالفرنسية عن (Lhumiliation)، لأن الذل وصل إلى حده الأقصى، ووصل احتكار القوة، وغياب العدالة الاجتماعية، وتعامل الحكومات مع المواطنين، إلى نوع غريب وممجوج من العجرفة، حتى صار الناس يقولون إننا لم نعرف هذا حتى في عهد الاستعمار.. هذا ينطبق على العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، وهذا يعني أن عمر هذه الحكومات الفاسدة قد بات قصيرا جدا.

الحرب لم تحقق أهدافها.. لكنها أرعبت الجيران

* لنعد إلى العراق والحرب العدوانية الأمريكية البريطانية عليه.. هل ترون أن الإدارة الأمريكية قد حققت أهدافها في العراق؟

- أظن أن الولايات المتحدة قد حققت الأهداف الخارجة عن العراق.. فقد برهنت وأعطت درسا، في ما يسمى بالجيوستراتيجية، أنه لا يمكن لأي قوة أن تتحرك أو تقف موقفا فيه عرقلة للسياسة الأمريكية.. رأينا ذلك مع ألمانيا ومع فرنسا.. وأنا قلت في بعض الاستجوابات قبل الحرب إن مواقف فرنسا وألمانيا هي نوع من الكوميديا.. لا يمكن نظرا للوسائل الجديدة للحروب، وللوسائل الاستخبارية، أن تقوم أي دولة، حتى ولو كانت ألمانيا أو فرنسا بمواجهة الولايات المتحدة، أو حتى معارضتها.

الأهداف التي هي خارج العراق برهنت الحرب على قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على تحقيقها، فما جرى برهن على اختلال موازين القوى لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وما جرى قام بدوره، وخاصة في ما تعلق بتوجيه رسائل إلى دول الجوار..

إذا أرادت الولايات المتحدة من الحرب البرهنة على أن كل الدول العربية بين أيديها، تلعب بها كما تريد، فهذا تمت البرهنة عليه.. إذا أراد الأمريكان البرهنة على أنهم أكثر قوة عسكرية في العالم، وأن لديهم أسلحة جديدة أشد فتكا.. فهذا أيضا تمت البرهنة عليه..

إذا أرادوا البرهنة على مدى قوتهم الاستخاراتية، فقد أثبتوا أنهم قادرون على التقاط أكثر من 3 ملايين كلمة في الدقيقة في العراق.. إذا أرادوا البرهنة على أن لديهم إمكانيات للاستيلاء على النفط فهذا برهنوا عليه أيضا..

لكن أهداف أمريكا في العراق هي أن تغيّر الشعب العراقي.. أن تغيّر حضارة 7 آلاف عام.. أن تغيّر ثقافة العراقيين.. ولكن هذا لم ولن تحقق فيه أي نجاح. وبالعكس أنا قلت إنني لا أخشى على العراق.. لماذا؟.. فإذا أخذنا تجربتين في التاريخ المعاصر، لبلدين لهما تاريخ عريق، وقد تحطما في الحرب العالمية الثانية تماما، تقريبا، من قبل ما يسمى بالحلفاء، وخصوصا أمريكا..

أمريكا احتلت اليابان وحدها، كما فعلت في العراق الآن، ودول "الحلفاء" احتلوا ألمانيا.. لكن ما حدث أنه من الناحية الصناعية، ومن الناحية الاقتصادية، فإن ما كانت تخشاه ولا زالت، وحرصت من أجله على الذهاب للحرب، فهم العلماء العراقيين..

العلماء موجودون في العراق من زمان.. أنا درست في الولايات المتحدة في الخمسينيات، ثم في بريطانيا، وعدد الطلبة العراقيين، الذين درسوا هناك كان كبيرا، وكان هناك اهتمام كبير بهم من بلادهم.. وهذا الأمر ليس له علاقة بهذا النظام أو ذاك.. هذه القوة.. هذه الطاقة الهائلة، ولو كانت الآن في الخارج، ستفعل فعلها في الارتقاء بالبلاد مجددا.

ثم إن الحضارة العريقة، التي لدى العراق، هي أيضا مصدر قوة كبيرة للعراق، ولعل هذا ما يفسر الهجوم الكبير على التراث الحضاري الإنساني، الذي يمتد لسبعة آلاف عام من التاريخ والحضارة.. كما يفسر الطريقة التي هجموا بها على المتاحف، وعلى المكتبات وحرقوها.. فهذا شيء منظم.. هذا كله كان أمرا مقصودا، وحتى "اليونيسكو"، التي أنا اشتغل فيها، وكنت مسؤولا فيها عن القطاع الثقافي لم تتحرك..

* (مقاطعا) سنأتي إلى هذا الموضوع، وسنبحثه بشكل خاص لاحقا..

- في ما يخص الأهداف الأمريكية، هناك هدف آخر، وهو مدى شعبية جورج بوش داخل بلاده.. الولايات المتحدة مقبلة على انتخابات جديدة، وهذا مهم للمجموعة الحاكمة الآن في الولايات المتحدة.

علماء العراق ثروته الأولى

* كنتم قبل قليل تجرون مقارنة بين العراق وبين اليابان وألمانيا.. ولكن هناك من يقول إن أمريكا سمحت لليابان ولألمانيا بالوصول إلى ما وصلا إليه من تطور تقني وعلمي، في ظل المنافسة مع الكتلة الاشتراكية سابقا.. أما الحالة العراقية فهي حالة خاصة، وأن واشنطن لن تسمح للعراقيين بما سمحت به للألمان واليابانيين.. فما تقولون في ذلك؟

- هذا ليس تحليلا.. حقيقة أنه كان هناك تنافس داخل ألمانيا، لأن هناك جزء أخذته روسيا، وهو ألمانيا الشرقية، وكانت هناك ألمانيا الغربية.. وروسيا كانت تساعد الشرقية، وأمريكا تساعد الغربية، لكن هذا لا يكفي لوحده..

ألمانيا توحدت في مدة قليلة، وحصل تعاون بين الألمان بعضهم البعض.. في اليابان الولايات المتحدة فرضت شروطا على اليابانيين.. هي التي أعدت الدستور الياباني، والدستور الألماني، والآن يشتغلون على الدستور العراقي.. يتكلمون عن الديمقراطية، وليست هناك ديمقراطية، إذا لم يكن الشعب، هو الذي يقرر من يحرر دستوره. في ألمانيا واليابان لا تزال حتى الآن هناك أشياء ممنوعة على الشعبين.

هناك جزء صحيح مما قلت، وهي أن الظروف ليست مثلما كانت.. كان هناك معسكر شيوعي ومعسكر رأسمالي، ولكن مع ذلك هناك نوع من التقارب بين الحالات الثلاث.. أنا أتكلم عن البنية التحتية، ولا أقصد العمارات، ولا المباني، ولا غيرها.. البنية التحتية للتطور والحضارة هي الطاقة البشرية، التي تغير الأشياء.. وأيضا هي الحضارة، التي وراء الشعب العراقي.. هذه قوة.. القيم والحضارة قوة!

الولايات المتحدة فرضت الحرب على العراق، لأنه من الناحية العلمية، ومن الناحية التكنولوجية، هو الدولة الوحيدة، التي كان ممكنا لها الآن أن تواجه شيئا ما إسرائيل، وهذا لا يسمح لأي بلاد في المنطقة، وبالخصوص إذا كانت عربية ومسلمة.

* لقد لاحظنا خلال هذه الحرب وبعدها، علماء يقتلهم لصوص، ويستباح دمهم، فهل تتوقعون، على ضوء ذلك، أن تسمح الإدارة الأمريكية للعراق بجمع علمائه، ولملمة شعثه من جديد؟

- أمريكا تسمح أو لا تسمح.. إذا أرادت أن تمحو الكرة الأرضية فهذا ممكن، ولكن مهما مارست من ضغوط، هناك طاقات بشرية موجودة، ولا يمكن لأمريكا أن تواجه، في نفس الوقت، ما يحصل في كوريا الشمالية، وما يحصل في أمريكا اللاتينية، وما يحصل في باقي أنحاء العالم. وأظن أنه حصل لها نوع من التفتيت والتشتيت لقواها، وهي تبني كل وجودها الآن على الأسلحة الجديدة المتطورة، وعلى الاستخبارت.

هذا العام ميزانية الدفاع في أمريكا وصلت إلى 400 مليار دولار.. هذا المعلن عنه رسميا في الميزانية، التي يوافق عليها الكونغرس.. هذا يجعلها معسكرا.. الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد دولة، ولم تبق حضارة، ولم يبق اقتصاد.. صارت معسكرا.. تعيش لصنع الأسلحة.. وحتى البحث العلمي في أمريكا صار 70 إلى 80 في المائة منه خاص بالقطاع العسكري، أي خاص بالقتل والتدمير، وليس موجها لتحسين مستوى الحياة الإنسانية.

مقاومة ستذهل الأمريكان

* يبدو أن القوات الأمريكية تواجه مقاومة في العراق، لم تكن في الحسبان.. هل تتوقعون أن تنجح المقاومة في العراق، في إخراج الولايات المتحدة الأمريكية سريعا؟

- أنا لا أتوقع شيئا أعرفه من البداية.. الحرب انتهت بالطريقة، التي انتهت بها، عبر خيانة بعض الشخصيات، وعبر استعمال المال، بدرجة لم تعرف من قبل.. الشعب العراقي لم يكن محاربا من الدول الاستعمارية فحسب، بل كان محاربا من الدول القريبة منه، مثل الدول الخليجية وغيرها.. المخابرات العربية كم منها كان ولا يزال يتعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، لاختراق الجبهة العراقية؟..

الشعب العراقي مثل أي شعب له تاريخ نضالي.. هذا التاريخ النضالي سيستعاد تدريجيا.. البعض يتصور أن العراق انتهى.. هذا خطأ شنيع.. انهزم العراق عسكريا، ولكنه أخذ درسا لم يأخذه أي شعب عربي آخر. إذن لما ينطلق هذا الشعب في المقاومة، ستكون مقاومته أقوى من أي مقاومة أخرى..

الناس الذين يعيشون الصدمة، ثم يستخلصون منها فوائدها ودروسها، ويستخلصون ما هو ممكن عمله للمستقبل، يأتون بأشياء عظيمة، لا يمكن لأي قوة عسكرية أن تقهرها.. هذا يحتاج شيئا من الوقت، وتدريجيا المعنويات الأمريكية تتحطم، مهما جلبوا من جنود، ومهما وظفوا من أقمار صناعية..

وأنا عندما قلت إنني لا أخشى على العراق، فأنا أعني هذه الحركة الشعبية، التي ستذهل الأمريكيين. الشعب العراقي يشعر أنه لن يصل إلى مرحلة أسوأ من المرحلة، التي هو فيها الآن، أو أن يدفع ثمنا أكثر من هذا الثمن الذي دفعه..

الآن مر 13 عاما من الحرب والحصار، قتل فيها مليونان من العراقيين على الأقل.. لا أحد حتى الآن أعطى أرقام الضحايا.. نحن نعرف كم قنبلة قصف بها العراق، وكم طائرة حلقت في الأجواء، لكننا لا نعرف عدد الأرواح التي أزهقت..

لماذا؟ لأن الأرواح في منطقنا لا قيمة لها.. لما يسقط غربي من جبل في الهمالايا، فإننا سوف نشاهد صوره في الصحف، ومختلف وسائل الإعلام كلها، ونقرأ عنه تقارير تروي تفاصيل ما حدث له.. أما نحن فيموت 10 أو 30 أو 50 ألفا، فهذا ليس مهما.. ولكن لا خوف، فكل ذلك سيولد طاقة للمقاومة لا تقهر.

* تتحدثون باستمرار عن مخططات لتقسيم المنطقة بعد سايكس بيكو.. هل يمكن أن تكون هذه الحرب العدوانية مقدمة لتقسيم العراق، ثم بعد ذلك تقسيم المنطقة؟

- ليس بعيدا تنفيذ الفكرة، التي تتحدث عن تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق.. هذا سيناريو قديم من زمان، حتى في وقت نوري السعيد.. في وقت نوري السعيد كان هناك مخطط لتقسيم العراق، وجمعها من جديد، تحت إطار تدخل فيه الأردن وجزء من سورية..

التفتيت والتشتيت هو جزء من مخططات أي قوة استعمارية.. وهناك مشاهد لتقسيم العراق إلى مناطق للأكراد، ومناطق للعرب، ومناطق للشيعة، ومناطق للسنة.. وهناك تقسيم جغرافي لتوزيع النفط، حتى لا تمسكه قوة واحدة.

حروب أمريكا القادمة

* هل تتوقعون أن تنتقل الحرب من العراق إلى سورية أو إيران، أو ربما حتى مصر أو السعودية؟

- أظن أن الهجوم على إيران بطريقة عسكرية أو غيرها آت.. هذا مخطط، وهذا سيأتي ربما في غضون السنتين المقبلتين، وبالخصوص مع اقتراب الانتخابات الأمريكية، سوف تتحرك السياسة الأمريكية في هذا الميدان.

وما يلاحظ في إيران أن التهديدات الأمريكية قد صنعت وحدة قوية بين مكونات المشهد السياسي الإيراني المختلفة، كما قربت تلك التهديدات بين الشعبين الإيراني والعراقي، وهذا ما تخشاه الولايات المتحدة الأمريكية، لأن هذين الشعبين المسلمين الوحيدين، هما اللذان يملكان الطاقة العلمية الواعدة.. حتى العراق ستستأنف حضورها العلمي بعد مدة قليلة. ولا شك أن المواقف الإيرانية من الكيان الصهيوني ستدفع الأمريكان والصهاينة إلى تسريع شن الحرب عليها.

بالنسبة لسورية الأمر ممكن، لكن الطريقة، التي تعاملت بها دمشق مع الوضع الناتج عن احتلال العراق، تندرج ضمن ما يسمى براغماتية وواقعية.. لقد ثبت أن سورية ما بعد الحرب على العراق، ليست سورية ما قبل الحرب، حتى رأينا موقفها من القضية الفلسطينية يتغير كثيرا عما كان من قبل.

بالنسبة للسعودية هناك ضغوط.. وأنا أتوقع أن الدول، التي كانت أقرب من غيرها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وخدمت أمريكا أكثر من غيرها، ستعرف ضغوطا أكبر، وستحدث فيها تغييرات أكبر، وبالتالي فالسعودية، ويمكن مصر، ستحدث فيها تغييرات، وهذا ليس حبا في التغيير في هذين البلدين، ولكن نعرف كيف يستخدم الاستعمار دول العالم الثالث.. يستغله ويستغل حكامه إلى درجة فاحشة، وعندما يجد أنهم لم يعد قادرا على الدفاع عنهم لمدة أطول، فإنهم يرمي بهم، ويأتي بجيل آخر، يوصله إلى الحكم. وبالنسبة للترتيب فإن الأمر سيطال إيران ثم سورية ثم أخيرا السعودية.

* قمتا شرم الشيخ والعقبة، اللتان عقدا قبل أسابيع، وخارطة الطريق، تبدو كلها بمثابة محاولة لاستثمار الحرب على العراق من أجل إخضاع المنطقة لمبضع الجراح الأمريكي.. هل يمكن أن تنجح تل أبيب واشنطن في وقف الانتفاضة واستثمار نتائج الحرب سياسيا لصالحهما؟

- هذه لعبة.. شرم الشيخ وغيرها.. أنت تتكلم مع شخص لم يؤمن لا بكامب ديفيد، ولا بأوسلو، ولا بغيرهما.. كل ذلك مجرد لعب. كل ذلك فلكلور، ومسلسل، وسينما، نراه في التلفزيون، لا طعم له ولا فائدة منه..

هذه أشياء غير جدية، وأي واحد ضليع في العلوم السياسية، أو في علوم المستقبليات، أو في الصحافة، يدرك أن هذه أشياء غير جدية.. مناسبات ولقاءات تلتقط فيها صورة أو اثنين، يراها الناس، لكي يتسلوا بها. آنا آسف جدا، ولكن الكوميدي الأول في هذه المسرحية السخيفة هم العرب أنفسهم.

حرب حضارية أو صليبية أم حوار؟

* هل الحرب التي تشنها أمريكا على المنطقة.. حرب صليبية؟ أم هي حرب احتلال على الطريقة التقليدية؟  أم هي حرب حضارية؟ وأي معنى للحرب الحضارية التي أطلقتموها على حرب الخليج الثانية في العام 1991؟

- هذه الكلمة استخدمت في العام 1991.. الحرب الحضارية هي الحرب، التي تخاض دفاعا عن القيم.. بوش الأب قال في عام 1991 إننا لن نسمح لأي دولة، في أي منطقة في العالم، بالتلاعب بقيمنا ونمط حياتنا.. بعد أقل من أسبوع من ذلك كان لي استجواب في راديو "فرانس انترناسيونال" قلت فيه إنه ستكون هناك حرب.. قال لي المذيع لماذا؟ قلت لأن الناس تذهب للدفاع عن القيم، أكثر من أي شيء آخر.

نحن نظن أن المسألة هي النفط.. نظن أنه كذا أو كذا.. هذا طبعا يدخل في الموضوع، وأمريكا تعطي قيمة كبرى للاقتصاد والليبرالية، ولكن الأساس أن هناك منظومة تفكير، تجمع كل ذلك، هي القيم.. في العام 1991 قلت إننا سنرى أن الحروب المقبلة ستكون على أساس هذه القيم، وأن أكثر أسباب الحروب ستكون حضارية وثقافية.

هنتنغتون جاء سنتين من بعد ما كتبت أنا كتابا عن الحرب الحضارية، وكتب كتابه عن صدام الحضارات. ولكن أنا قلت إن الحل الوحيد، لكي نتعالى عن الحروب المبنية عن المسائل الثقافية والحضارية، هو أن نمتن جسور التواصل الحضاري والثقافي.. هناك غياب للتواصل بين الحضارات.. وأنا منذ عام 1991 وإلى الآن، جعلت مدخول كتبي موجها لخدمة جائزة في ميدان الحوار والتواصل شمال جنوب.. أنا أؤمن بقيمة هذا الحوار وهذا التواصل.

الحرب التي بدأتها أمريكا في العام 1991 كانت بداية مسلسل جديد من الحروب، مبني أساسا على القيم.. لما أقول القيم فأنا أقول الثقافة وأقول الحضارة، بل أقول العقيدة، وأول من استخدم العقيدة لتبرير الحرب هو بوش.. إذن هنالك حربا صليبية نعرفها اليوم.. هذا أمر تراه في كل مكان، وهو صار واضحا، وهو أن الهدف والمقصود من الحرب هو كل ما له صلة بالإسلام، بل كل ما ليس يهوديا مسيحيا، وهذه هي أطروحة هنتنغتون.

هنتنغتون لما جاء، من بعدي بعامين، بأطروحة صدام الحضارات، لم يكن هدفه الوقاية من ذلك الصدام.. لم يقل نحن لا نريد الحروب.. الحل هو الحوار الثقافي.. الحوار شمال جنوب، إلى غير ذلك.. بل بالعكس فهو يحكم مسبقا، بأن الخطر كله آت من المناطق غير اليهودية - المسيحية، وهو الرأي الذي تخاض على ضوئه الآن الحروب، على العالم العربي والإسلامي.

إذن الحروب الثقافية والحضارية يظهر فيها بقوة الجانب الصليبي، بالخصوص، لما نرى ما يجري في الولايات المتحدة من تطرف ديني، وأيضا التقارب والالتحام بين التطرف اليهودي والتطرف المسيحي، ومن ثم محاربة كل ما هو عربي ومسلم، وهذا معلن في كل مكان، وفي كل وسيلة إعلام.

تواطأ اليونسكو في نهب آثار العراق

* اتهمتم اليونسكو بأنها غضت الطرف عن نهب تاريخ العراق وآثاره وتدميرها.. على أي أساس جاء هذا الاتهام؟ ثم هل تتهمون القوات الأمريكية بالمساهمة في نهب الثروة الحضارية والآثارية العراقية؟ أم إن عصابات عراقية هل المسؤولة عما حدث، كما تزعم المصادر الأمريكية؟

- أنا  أعرف اليونسكو جيدا، لأنني كنت نائب المدير العام لليونسكو، وكنت مسؤولا عن قطاع الثقافة والعلوم الاجتماعية والإنسانية فيها، وأعرف مشكلات اليونسكو، وأعرف المتاحف، وأعرف الحيثيات.

وقد كان بإمكان اليونسكو أن تتحرك في الموضوع العراقي، بأفضل بكثير مما فعلت في الواقع.. ولكن عدم تحركها راجع للخوف من الولايات المتحدة، ولا تنسى هنا أن أكبر من يمول اليونسكو، إنما كان هو الولايات المتحدة، وقد تخلت عنها لسنين طويلة، ثم رجعت إليها في سبتمبر الأخير.

وما تساهم به الولايات المتحدة مهم بالنسبة لليونسكو، سواء بالنسبة للموظفين فيها، أو للمدير العام، حتى يتمكن من تسيير المنظمة.. إذن لما رجعت الولايات المتحدة، وصارت تدفع نصيبها في ميزانية اليونسكو.. إذن فموقف المنظمة كان سلبيا، على الأقل في الموضوع العراقي.

وأنا كنت في باريس لما حصل ما حصل في العراق، وبحثت في الأنترنيت، وكنت أنوي أن أكتب رسالة للمدير العام لليونسكو، مثلما فعلت في العام 1991، للمدير الذي قبله، ولكن ما فاجأني في الأخبار أن المدير العام، وعن طريق مدير الشؤون الثقافية، يقول "نحن تحركنا وأعطينا للولايات المتحدة خريطة فيها كل أماكن الحفريات عن الآثار في العراق".. يا أخي هذا ما حصل.. تفضلوا هذه الأماكن، التي تقدروا أن تدمروها.

هناك وثائق وهناك اتفاقيات.. هناك اتفاقية لاهاي، التي تنظم كيف يجب أن يتم التعامل مع الشؤون الحضارية والثقافية والتراث والآثار في وقت الحرب، ومثلما أن هناك اتفاقية جنيف هناك اتفاقية لاهاي.. ولم يتحرك أي أحد من اليونسكو.. لم نسمع تصريحات من المدير العام لليونسكو.. ولما حدث ما حدث قالت اليونسكو نحن لا نعرف.

أنا وصفت في موقعي على الأنترنيت ما حصل بأنه امتناع عن مساعدة حضارة في خطر.. أنت تعرف أن الإنسان يعاقب إذا رأى أحدا يوشك أن يموت ولم يقدم له مساعدة.. أنت بوصفك منظمة دولية كان عليك أن تتحركي.. كان عليك أن ترسلي مدير المتاحف.. كان يمكن أن تقوم بحركة عالمية لحفظ تراث وآثار 7 آلاف سنة من تراث البشرية، ولكن لم يتحركوا في الوقت المناسب، ثم صرنا نسمعهم يتحدثون عن إرسال خبراء إلى العراق.. ما فائدة هذا؟

الكويت مولت تدمير آثار العراق!

ما حصل من سرقات لا يمكن لجماعة عراقية لها ثقافة وحضارة أن تقوم به.. هناك بعض المرتزقة طبعا.. وهناك إشاعات بأن الكويت مولت بعض هؤلاء المرتزقة، الذين دخلوا إلى العراق، وحطموا وكسروا ونهبوا كل ما وجدوه أمامهم..

أنا أقول إن اليونسكو مسؤولة مسؤولية تامة، على ما حدث، لأننا لم نر منها أي تحرك.. لم نر منها أي مساعدة.. ثم صرنا نتحدث عن نهب آلاف القطع.. متى حصل ذلك؟ بعد أن فعلت الولايات المتحدة كل ما أرادت..

أنا لا أقول إن الولايات المتحدة مسؤولة وحدها عما حدث.. لكني أقول إن الناس رأوا جندي المارينز يحطم باب المتحف العراقي، ثم من بعد ذلك دخل اللصوص. وليس من الصدفة أن الأشياء، التي لها قيمة عالية، هي التي نهبت في البداية.. أين ذهبت؟ وبأي طريقة ذهبت؟ ولمن ذهبت؟

هذه أشياء واضحة، ولا تحتاج منك أن تكون خبيرا حتى تعرفها.. لا يجب أن تكون خبيرا حتى تعرف أن هناك مسؤولية تاريخية على اليونسكو في حماية آثار العراق، وهي التي أنشأت كمنظمة للحفاظ على التراث الحضاري الإنساني.. أنا عملت.. قمت بمحاولات، وسأستمر في محاولاتي حتى تكون هناك محكمة دولية للإجرام ضد التراث الحضاري الإنساني.. اليونسكو مجرمة في الموضوع العراقي، لامتناعها عن مساعدة حضارة في خطر داهم.

الولايات المتحدة طبعا ما قامت به كان مقصودا، وخبراء الحفريات والمتاحف والذين يعرفون المتحف في بغداد يعرفون مسؤولية الولايات المتحدة جيدا عما حدث.. وهل صدفة أن ما حرق من الكتب قد حرق؟ لماذا المتحف الموسيقي استهدف؟ والمجموعة الموسيقية نهبت؟.. غير ممكن لعراقي بسيط أن يفعل هذه الأشياء.

جيش بلا عمق حضاري يدمر حضارة الإنسانية

* كم تقدرون عدد الآثار العراقية التي نهبت؟

- والله لا أدري بالضبط.. هناك حديث عن 10 آلاف إلى 50، بل إلى 100 ألف قطعة نهبت، ولكن المسألة ليست مسألة كم، بل مسألة كيف.. هذه مسألة تعامل مع حضارة إنسانية عظيمة.. هناك مجلات أمريكية أنجزت تقارير عن المستوى الثقافي الضحل لجنود الجيش الأمريكي.. ولكن السؤال كيف يمكن أن أعطي لأناس بهذا المستوى الثقافي مسؤولية الحفاظ على ثرو،ة بلد وتاريخ وحضارة عظيمة، مثل حضارة العراق؟ هذه ليست غلطتهم.. هذا جيش له مرجع حضاري ضعيف.. له حضارة لم تعمر سوى قرون قليلة، ولذلك ليس الخطأ خطأهم، إذ كيف تريد منهم أن يتعاملوا مع حضارة عريقة.. مع آلاف السنين من الحضارة، ومع سومر (ضاحكا بحزن).. الخ؟.

ما هو موجود في العراق ليس خاصا بدين معين، أو بحضارة دون أخرى.. هذه هي الحضارة الإنسانية كلها، وهي قطعة واحدة لا يمكن أن تجزءها.. هذه حضارة للإنسانية بأكملها قد ضاعت بما حصل.. ولذلك السؤال لا يطرح عن كم ضاع؟ وكم سيمكن إرجاعه من تلك الآثار المهمة؟، ولكن نحن نعرف أن الجزء الأكبر مما نهب لن يرجع.

عندما كنت في اليونسكو أشرفت على إصدار اتفاقية دولية تحظر بيع وشراء القطع الأثرية، التي تسرق من المتاحف، وتم توقيع تلك الاتفاقية، لكن ما راعني، أخيرا، في انجلترا، هو تغيير القانون، الذي صار يسمح لدرجة ما ببيع وشراء تلك القطع الأثرية المسروقة، إذا ما مرت مدة معينة.

هناك شكل من أشكال رفض الالتزام بتلك الاتفاقية الدولية في عدد من الدول، التي ليس لها عمق حضارة وثقافي، مثل ما هو موجود في العراق.. اللغة بدأت في العراق.. النحو العربي بدأ في العراق.. الموسيقى والمقامات بدأت هناك.. الآلات الموسيقية ظهرت أول ما ظهرت في العراق.. هذه حضارة تخص الإنسانية كلها.

* هل يمكن أن نفهم من كلامكم أننا أمام دولة ليست لها حضارة، تريد أن تدمر حضارات الشعوب الأخرى، حتى يستوي الجميع أمام الهجانة؟

- لا.. أنا لا أقول ذلك.. الولايات المتحدة لها حضارتها، بالرغم من أن جزء كبيرا من تلك الحضارة أخذته من أوروبا ومن غيرها.. عندها حضارة خاصة بها.. أنا لا أتكلم عن وجود حضارة أو غيابها لدى الأمريكان.. لا يوجد مكان ليست فيه حضارة.. حتى النبات شكل من الحضارة.. الحيوان شكل من الحضارة. أنا أعنى هنا أنه ليس هنالك العمق المطلوب في الحالة الأمريكية..

البعد الزمني في الحضارة يعطي أضواء لأهلها تكون متناسبة مع حجم ذلك البعد والعمق. لا يمكن أن نقارن حضارة عمرها 7 آلاف عام، مع حضارة ليس لها أكثر من 3 مائة عام.. هذا هو المقصود.. ثم لا ننسى أن الحضارة الأمريكية، في بعد من أبعادها، قائمة على العنف.. عنف وإرهاب الدولة.. مثل ما هو الحال في إسرائيل، القائمة هي الأخرى على إرهاب الدولة.

بالنسبة للولايات المتحدة إرهاب الدولة، والاستخدام المفرط للسلاح، صار جزء من التطور والآلة الاقتصادية الأمريكية، وليس صدفة أن الأزمة الاقتصادية الأمريكية لها صلات واضحة بأزمة بعض شركات الأسلحة الأمريكية، وخاصة منها القريبة من البيت الأبيض والبنتاغون.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر